
انها علامات الشيخوخة غالبا ، أشعر أن كل الاشياء تتساوى .. تحدث او لا تحدث ، لم اعد أرغب في أن ادخل معارك ، ولم اعد اؤمن ان ايدينا الصغيرة قد تصلح امور الكون الكبيرة ، اعتقدت ان الحياة مثل جاكتة سمير غانم في مسرحية المتزوجون ..تنجح في اصلاح الجاكيت فيضرب منك البنطلون، لماذا اذن تزعج نفسك باصلاح الجاكيت ؟ اتركه لحاله ووفر مجهودك .. .
"اي شئ " هذه الجملة هي شعار المرحلة ، أي شئ بلا اكتراث ولا تذوق ولا اختيار .. صرت أفاخر بأنني آكل اي شئ بدءا من البصارة وحتى البط على الطريقة الفرنسية .. ترضى عني حماتي وأمي والجارات .. ابدو غير قادرة على خلق المشاكل ولا راغبة فيها بالطبع .. ابدو كائنا لقطة لأن اصبح في الجوار .. لن اسبب مشاكل وربما لن تشعر بوجودي اساسا ، لكني لم اعد الكائن الأنسب كي تحبه فيعطي من روحه طعما لحياتك . .
اتذكر الآن زوجة عمي حينما كانت تمتدحني وأنا صغيرة فتقول عني اني مثل الناموسة .. كنت استغرب الأمر وادركت انها كانت تقول هذا لفرط هدوئي .. كان الجيران كذلك يحبونني كثيرا لأني لا العب في الشارع ولا اصادق فتيات الحارة .. كانوا يعتقدون اني خلقت كي أذاكر فحسب ، أؤدي واجبي ، وكان هذا هو الشخص المثالي حسب وصفة مسلسلات التلفزيون ، والحمد لله اني لم اكن اسير على كتالوج المسلسلات وقتها ، كنت اخدعهم جميعا وأحظى بحياة صاخبة بعيدا جدا .. في المدرسة أو الجامعة ... مظاهرات وندوات ومعارك واصدقاء وصديقات ولسان فالت وصوت عالي ومحبون واعداء وامنيات وخوف ورجاء .. كان كل ما يصنع الحياة موجودا داخلي .. كنت ناصرية ولم يعد باقي من ذاكرتي من الناصرية الا ما يتعلق بقدرة الارادة الانسانية على التغيير .. والتجربة والخطأ ..اين ذهبت ارادتي اذن ؟
في كثير من الأحيان كنت ارى البشر يتنافسون ويتصارعون ويتآذون فاستغرب واتساءل لماذا يفعلون هذا ؟ ايةمكاسب سيحصدونها وأظل اردد لنفسي : انا مت ولا وصلت للفلسفة ؟ في الحقيقة انا مت فعلا .. وتحججت بالفلسفة
كنت اقول لنفسي انني أزهد في هذه المكاسب الصغيرة، واترفع عن المعارك التافهة .. وفي الحقيقة كنت اتكاسل حتى أن أسأل نفسي عما اريد وعما احب ، اية موسيقى ستبهجني ؟ اي كتب افضلها للقراءة ؟ اي الوان اختار واي ملابس ، كان خاطرا واحدا يلح علي : انا احب اللون الابيض ..لم افكر كثيرا في ان الابيض هو لون راية الاستسلام ، ولون الكفن ..
اعتقدت طويلا ان الامر انما ينم عن سلام النفس وصفائها لكنه في الواقع كان يشير لموت شئ ما داخلي .. تلك القدرة على ان أرفع صوتي .. اردد الهتاف في المظاهرات.. اتشاجر مع العساكر .. اجبر العالم على ان يستمع لارادتي ..
وصار الشئ الوحيد الذي اتمناه بقوة هو وجود مكان شاسع واتمكن من الركض فيه الى مالا نهاية .. صارت الدموع تطفر من عيني كلما شاهدت فيلم فورست غامب .
كنت اشعر بالدهشة وانا اسمع صديقة لي تصفني مؤخرا بالمقاتلة ؟؟ لم اعلق ، ولكني كنت اظل طيلة اليوم اتسائل هل كنت حقا مقاتلة ؟؟ اعرف انني كنت مقاتلة وصلبة ودؤوبة وشجاعة
ماذا حدث اذن ؟؟
لا اعلم
.........
اكتشفت قبل ايام قليلة اني سأتم في الاشهر القادمة عامي الخامس والثلاثين ، سألت نفسي وكأني افيق
-في أي عام نحن ؟
- 2008
-اذن عليكي ان تكفي عن استخدام الرقم 34
صرت اضبط نفسي احدق في المرايا كلما واجهتني ، أتأمل وجهي
اتعرف اليه من جديد .. لم يعد وجه فتاة في العشرينات من عمرها .. صار وجه امرأة في الخامسة والثلاثين
اما لثلاثة ابناء وزوج
تخجل ان تهتف في المظاهرات أوتتشاجر مع العساكر